عبد القاهر الجرجاني

15

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )

في جنس من الكلم بعينه أن يقع إلّا سابقا ، وفي آخر أن يوجد إلا مبنيّا على غيره وبه لاحقا ، كقولنا : إن الاستفهام له صدر الكلام ، وإن الصفة لا تتقدم على الموصوف إلا أن تزال عن الوصفية إلى غيرها من الأحكام . فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا أو يستجيد نثرا ، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللّفظ فيقول : حلو رشيق ، وحسن أنيق ، وعذب سائغ ، وخلوب رائع ، فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف " 1 " ، وإلى ظاهر الوضع اللغويّ ، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده ، وفضل يقتدحه العقل من زناده . وأمّا رجوع الاستحسان إلى اللفظ من غير شرك من المعنى فيه ، وكونه من أسبابه ودواعيه ، فلا يكاد يعدو نمطا واحدا ، وهو أن تكون اللفظة مما يتعارفه الناس في استعمالهم ، ويتداولونه في زمانهم ، ولا يكون وحشيا غريبا ، أو عامّيا سخيفا ، سخفه بإزالته عن موضوع اللغة ، وإخراجه عما فرضته من الحكم والصفة ، كقول العامة " أشغلت " و " انفسد " . وإنما شرطت هذا الشرط ، فإنه ربما استسخف اللفظ بأمر يرجع إلى المعنى دون مجرّد اللفظ ، كما يحكى من قول عبيد اللّه بن زياد لما دهش : " افتحوا لي سيفي " ، وذلك أن " الفتح " خلاف " الإغلاق " ، فحقّه أن يتناول شيئا هو في حكم المغلق والمسدود ، وليس السّيف بمسدود ، وأقصى أحواله أن يكون كونه في الغمد بمنزله كون الثوب في العكم " 2 " ، والدرهم في الكيس ، والمتاع في الصندوق . و " الفتح " في هذا الجنس " 3 " يتعدّى أبدا إلى الوعاء المسدود على الشيء الحاوي له لا إلى ما فيه ، فلا يقال : " افتح الثوب " ، وإنما يقال : " افتح العكم " و " أخرج الثوب " و " افتح الكيس " . وهاهنا أقسام قد يتوهّم في بدء الفكرة ، وقبل إتمام العبرة ، أنّ الحسن والقبح فيها لا يتعدّى اللفظ والجرس ، إلى ما يناجي فيه العقل النفس ، ولها إذا حقّق النظر مرجع إلى ذلك ، ومنصرف فيما هنالك ، منها : " التجنيس " و " الحشو " .

--> ( 1 ) جمع جرس - بكسر الجيم وبفتحها - وهو الصوت ، أو الخفي منه . ( 2 ) العكم - بالكسر - كالعدل وزنا ومعنى ، والمراد بالعدل هنا الغرارة والجوالق ، وهو نصف الحمل يكون على أحد جانبي البعير ، أي : يكون على جانبي البعير عدلان ، وقد سمي عدلا لتعادله وتماثله مع نظيره في الشق الآخر . والعكم أيضا : نمط تجعل المرأة فيه ذخيرتها . ( 3 ) وفي نسخة : المعنى .